التمييز بين الأبناء‮ ‬سلوك خاطئ‮ ‬يؤثر سلبياً‮ ‬على الفرد والمجتمع

الإحساس به‮ ‬يقود إلى أمراض نفسية‮

التفرقة بين الأبناء من قبل الوالدين ظاهرة تسود العديد من البيوت،‮ ‬ومن مظاهرها أن تميل كفة التفضيل نحو أحد الأبناء أو تقوم أساليب المعاملة على تمييز بين الجنسين‮. ‬والسؤال هنا عن الأسباب المؤدية لهذه المعاملة والنتائج المترتبة على التفرقة بين أفراد أنجبهم رحم واحد‮. ‬إلى أي‮ ‬حد‮ ‬يمكن أن‮ ‬يصل تأثير مثل هذا السلوك على نفسية الطفل وانعكاسه مستقبلاً‮ ‬على شخصيته ورؤيته للأسرة والمجتمع وأسلوب تعامله معهما‮. ‬
‮”‬الوطن‮” ‬رصدت بعض الآراء حول القضية،‮ ‬حيث اعترف البعض بوجود التفرقة في‮ ‬حين أنكرها آخرون أو أرجعوها إلى سلوك الأبناء الذي‮ ‬يجعل الوالدين‮ ‬يميلون إلى أبن أكثر من الآخر،‮ ‬وفي‮ ‬ذلك‮ ‬يقول محمد سالم‮: ‬تهدف الأسرة والمتمثلة في‮ ‬الوالدين إلى تحقيق التربية الصالحة للأبناء بأسلوب واحد وإعطاء الأبناء قدراً‮ ‬من الاهتمام بشكل متساوٍ‮ ‬بين جميع الأبناء بغض النظر عن الجنس،‮ ‬ولكن الأبناء هم السبب في‮ ‬التفرقة التي‮ ‬ربما تحدث في‮ ‬نطاق الأسرة،‮ ‬فالأم تميل إلى الابن الذي‮ ‬يحترم أمه ويطيعها في‮ ‬كافة الأمور وبشكل أكبر من إخوته،‮ ‬والأب كذلك‮ ‬يفضل بشكل لا إرادي‮ ‬الابن الذي‮ ‬يسير على خطى والده،‮ ‬ولكن هذه التفرقة لا تصل إلى الحدود‮ ‬غير المعقولة لأن نتائجها سلبية للغاية لذا أعتقد أن الابن هو من‮ ‬يحدد طريقة معاملة الوالدين والمجتمع له‮. ‬من جهته‮ ‬يقول فيصل حمد‮: ‬أحرص قدر الإمكان على المساواة بين الأبناء في‮ ‬المعاملة الحياتية حيث لا أفضل بين الذكور والإناث ولا بين الذكور والذكور أو الإناث والإناث،‮ ‬وأحاول قدر الإمكان أن أسير على درب المساواة والعدل الذي‮ ‬حثنا عليه القرآن الكريم ورسول الله‮. ‬ويضيف حمد‮: ‬قد تحدث التفرقة في‮ ‬بعض الأحيان بصورة تلقائية أو لاإرادية وسرعان ما تقوم الأسرة بمحاولة تقويم الاعوجاج‮. ‬هناك فرق كبير بين شخصية الطفل أو الشاب الذي‮ ‬يعيش تحت وطأة التفرقة وبين الإنسان الذي‮ ‬يتلمس العدل في‮ ‬كافة جوانب حياته‮.‬
السن والحالة الصحية هما الفيصل
وتعرض فاطمة صالح جوانب أخرى للموضوع قائلة‮: ‬التمييز بين شخصين‮ ‬يولد الحقد والكراهية،‮ ‬سواء داخل البيت أو في‮ ‬المدرسة فغالباً‮ ‬ما نجد مشاعر الغيرة بين الطلبة نتيجة تفضيل المدرسين في‮ ‬كثير من الأحيان بعض الطلبة المتفوقين،‮ ‬ولهذا الأسلوب أضراره على الفرد والأسرة‮.‬
وتواصل‮: ‬وعلى صعيد الأسرة أحرص على تربية الأبناء على أساس العدل دون التفرقة بينهم حتى لا‮ ‬يشعر أحدهم بالغيرة تجاه الآخر،‮ ‬ولكن في‮ ‬بعض الأحيان‮ ‬يكون الاهتمام للطفل بصورة أكبر من المراهق أو الشاب،‮ ‬كما أن للابن المريض عناية خاصة وهو سلوك طبيعي‮ ‬جداً‮ ‬نتيجة وضعه الصحي‮.‬
ويرى ماجد عبدالله‮: ‬أن التفرقة بين الأبناء على أساس العمر والجنس جاءت نتيجة موروث اجتماعي‮ ‬خاصة تفضيل الذكور على الإناث،‮ ‬فهناك الكثير من الأسر تسلك سبيل التمييز وتفضل الكبير على الصغير والذكر على الأنثى،‮ ‬إلا أن هذه الظاهرة أخذت في‮ ‬الانخفاض حيث عصر التكنولوجيا وزيادة الوعي‮  ‬الذي‮ ‬جعل الأسر ترفع شعار العدل والمساواة بين جميع أفراد المجتمع‮. ‬
المناعي‮: ‬الكراهية تصل إلى المجتمع بأكمله
يحذر د.شمسان المناعي‮ ‬من مخاطر التفرقة بين الأبناء،‮ ‬ويؤكد أهمية المساواة لضمان الصحة النفسية للأبناء،‮ ‬ويضيف أن اختلاف المعاملة من الأساليب التربوية الخاطئة التي‮ ‬يكون لها آثار وعواقب وخيمة على نفسية الأطفال،‮ ‬منها الحقد والغيرة كما تولد الأنانية بينهم وينتج أبناء‮ ‬غير أسوياء،‮ ‬فأفضل الأساليب التربوية التي‮ ‬تحقق الصحة النفسية للأطفال في‮ ‬محيط الأسرة هي‮ ‬المساواة بين الأبناء بصرف النظر عن الجنس أو الشكل،‮ ‬فالتمييز من المبادئ المرفوضة تربوياً‮ ‬والتي‮ ‬يقع فيها الوالدان في‮ ‬كثير من الأحيان دون قصد‮.‬
ويضيف‮: ‬أن أسلوب التفرقة بين الأبناء سواء كان على أساس الجنس أو اللون أو الشكل أو السن وأحيان التفوق الدراسي،‮ ‬أو بمعايير مختلفة من قبل الوالدين لها آثار نفسية بليغة تأتي‮ ‬في‮ ‬مقدمتها تدني‮ ‬مفهوم الذات عند الأبناء لأن الطفل في‮ ‬هذه المرحلة‮ ‬يمر بفترة نمو لذاته وتكوين شخصيته،‮ ‬وتولد الحقد والكراهية،‮ ‬ولنا قصص ودروس في‮ ‬ذلك كقصة سيدنا‮ ‬يوسف علية السلام،‮ ‬كما أنها من أسوأ أساليب التنشئة الاجتماعية إذ تولد الكراهية بين أفراد الأسرة في‮ ‬بادئ الأمر ومن ثم تعم الكراهية لتصل إلى‮  ‬المحيط والمجتمع بأكمله ويشعر بظلم من قبل جميع فئات المجتمع،‮ ‬كما أنها تؤدي‮ ‬إلى سلوك عدواني‮ ‬وفشل في‮ ‬الدراسة والمدرسة،‮ ‬وعلاوة على ذلك فالبناء النفسي‮ ‬للطفل‮ ‬يكون مختلاً‮ ‬لأنه‮ ‬يكون في‮ ‬مرحلة الطفولة‮.‬
ويفصل شمسان حديثه قائلاً‮: ‬مرحلة الطفولة المبكرة من‮ ‬5‮ ‬سنوات هي‮ ‬الأساس في‮ ‬تكوين الطفل،‮ ‬كما أن الطفولة المتوسطة‮ ‬7‮ ‬سنوات جزء من عملية تكوين الشخصية وإذا تلمس الطفل جوانب النقص لذاته أو تولد لديه شعور بالتفرقة بينه وبين إخوانه فإن نموه‮ ‬ينقص ولا‮ ‬يكون بالشكل الطبيعي‮ ‬أو الصحيح لأنها مرحلة تضع الحجر الأساس لشخصية الإنسان،‮ ‬وقد‮ ‬يؤدي‮ ‬الإحساس بالتمييز إلى الإصابة بأمراض نفسية عديدة،‮ ‬ويكون من نتيجة ذلك إخفاق الطفل في‮ ‬تحقيق أهدافه المستقبلية وإشباع‮  ‬حاجاته الجسمية والنفسية والاجتماعية بشكل سوي،‮ ‬وضعف معنوياته وشعوره بالإخفاق والإحباط ووقوعه تحت وطأة التوتر والصراع النفسيين‮. ‬
ويواصل د.شمسان‮: ‬المساواة الدقيقة‮ ‬يجب أن تكون مساواة في‮ ‬الطعام وفي‮ ‬توزيع الكلام والانتباه والاهتمام،‮ ‬كل ذلك بقدر الإمكان لذا‮ ‬يجب أن‮ ‬يحرص الأب أن‮ ‬يسعى إلى تحقيق العدالة في‮ ‬هذا الجانب،‮ ‬كذلك المساواة في‮ ‬توزيع الهدايا والعطايا،‮ ‬وفي‮ ‬اتخاذ القرارات من خلال استشارة الجميع دون استثناء وأخذ القرارات بالأغلبية فيما‮ ‬يخصهم‮.‬
الفضل‮: ‬قصة سيدنا‮ ‬يوسف‮ »‬ع‮« ‬درس أسري‮ ‬قيم‮ ‬
ويتحدث الشيخ حمد الفضل‮: ‬من أسماء الله تعالى العدل‮. ‬والعدل‮ ‬ينطلق من منطلق ديني‮ ‬علمنا إياه ديننا الحنيف ورسولنا الكريم،‮ ‬ولذلك أمرنا الله سبحانه وتعالى بالعدل بأنفسنا وبين أبنائنا وأقربائنا،‮ ‬والعدل هو سبب الصحة النفسية في‮ ‬الأسرة،‮ ‬وهو سبب قوي‮ ‬من أسباب قوة الأسرة والمجتمع،‮ ‬فلابد من العدل بين الأبناء وعدم التمييز بينهم لا‮ ‬يسود في‮ ‬المجتمع علامات الحقد والكراهية،‮ ‬لنا في‮ ‬ذلك مثال في‮ ‬قصة سيدنا‮ ‬يوسف عليه السلام،‮ ‬قال تعالى‮: ”‬لقد كان لكم في‮ ‬يوسف وإخوته آيات للسائلين،‮ ‬وإذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي‮ ‬ضلال مبين،‮ ‬اقتلوا‮ ‬يوسف أو اطرحوه أرضاً‮ ‬يخلُ‮ ‬لكم وجه أبيكم‮ …” ‬لقد كان في‮ ‬قصة‮ ‬يوسف بن‮ ‬يعقوب عليهما السلام حيث ظن إخوة‮ ‬يوسف أن أباهم‮ ‬يفضل‮ ‬يوسف عليه السلام وأخاه الشقيق عليهم ويؤثرهما في‮ ‬المحبة،‮ ‬فاتفقوا أن‮ ‬يقتلوا‮ ‬يوسف أو‮ ‬يلقوا به في‮ ‬أرض مجهولة بعيداً‮ ‬عن أبيه ليستريحوا منه،‮ ‬ويبقى لهم حب أبيهم وتفضيله‮.. ‬وخلاصة القصة ما نراه في‮ ‬تلك الآيات ويبقى أن‮ ‬يتعلمه الآباء هو أن‮ ‬ينبغي‮ ‬ألا نظهر الحب أو الإيثار لأحد الأبناء على حساب الآخرين‮. ‬
ويضيف الشيخ فضل‮: ‬إن التفرقة بين الأبناء من الأسباب التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلى عقوق الوالدين وتولد الحقد والأنانية والكراهية في‮ ‬الأسرة،‮ ‬ومن ثم‮ ‬ينعكس ذلك على المجتمع حيث‮ ‬يحمل أبناء المجتمع سلوكيات منحرفة،‮ ‬وتؤدي‮ ‬بهم إلى الانطوائية وهذا لا‮ ‬يتماشى مع أخلاق أمة محمد عليه الصلاة والسلام وإذا كان الإنسان في‮ ‬بعض الأحيان‮ ‬يميل إلى شخص بدرجة أكبر من الأخر،‮ ‬ولكن لا‮ ‬يجب أن‮ ‬يظهر هذا الميل إذ لابد من العدل بين الأبناء سواء في‮ ‬المعاملة،‮ ‬وتوزيع الابتسامة،‮ ‬حيث النبي‮ (‬يحب عائشة أكثر من‮ ‬غيرها من زوجاته،‮ ‬فكان‮ ‬يعدل بينهن في‮ ‬القسمة اللهم هذا قسمي‮ ‬فيما أملك،‮ ‬فلا تؤاخذني‮ ‬فيما لا أملك‮) ‬يعني‮ ‬القلب،‮ ‬ولعلنا نأخذ من قصص الأنبياء عبرة في‮ ‬ذلك‮.‬
ويختتم الفضل‮: ‬أن إخوة‮ ‬يوسف كانوا‮ ‬يكيدون له كيداً‮ ‬وفكروا في‮ ‬المؤامرة،‮ ‬ولكنه لم‮ ‬ييأس ولعلنا أن نأخذ لنا في‮ ‬يوسف عليه السلام قدوة‮.‬
الحجي‮: ‬المساواة تساعد‮ ‬
على تنمية القدرة على مواجهة المشكلات‮ ‬
الباحث الاجتماعي‮ ‬عبدا لله حجي‮ ‬باحث اجتماعي‮: ‬التفرقة مشكلة اجتماعية موجودة في‮ ‬عدد من الأسر ونتائجها وخيمة،‮ ‬حيث تحدث خلافات بين الأبناء وتؤثر على صلة الرحم وتؤدي‮ ‬إلى آثار نفسية،‮ ‬وفي‮ ‬المقابل نجد أن عدم التفرقة‮ ‬يساعد على تنمية قدرة الطفل على مواجهة مشكلات الحياة بصورة أفضل وتقويمها بواقعية كذلك تقبله لذاته،‮ ‬فتنمو قدراته الخاصة وتتولد الثقة بالنفس،‮ ‬وتساعده على الاستقلالية في‮ ‬التفكير والسلوك القويم وحب الاستطلاع والرغبة في‮ ‬إنجاز واكتساب الخبرات‮.‬
ويضيف‮: ‬من أسباب التفرقة في‮ ‬المعاملة بين الأبناء المستوى العلمي‮ ‬والثقافي‮ ‬لدى الأسرة والمتمثلة في‮ ‬الوالدين،‮ ‬والعادات والتقاليد في‮ ‬بعض الأحيان حيث‮ ‬يظن الأب أن الولد قادر على مواجهة الحياة وتحمل المسؤولية،‮ ‬فيكون هناك اهتمام به بصورة أكبر وتعكس هذه المعاملة على المجتمع،‮ ‬وفي‮ ‬الواقع نجد العكس فالأم تتحمل المسؤولية وتواجه في‮ ‬كثير من الأحيان مصاعب الحياة وتشارك الرجل في‮ ‬الحياة ولها دور كبير في‮ ‬جميع المجالات‮. ‬كما أن لدرجة الوعي‮ ‬دوراً‮ ‬في‮ ‬هذا المجال فإذا كانت الأسرة ذات وعي‮ ‬بالعدل وإنصاف فلا تميز ابناً‮ ‬على آخر،‮ ‬وهناك فهم خاطئ لبعض الآيات حيث نجد من‮ ‬يفسر بعض الآيات بشكل‮ ‬غير صحيح خاصة أن هناك الكثير من الآيات القرآنية تحث على المساواة والإنصاف في‮ ‬المعاملة بين الأبناء‮.‬
ويتابع الحجي‮: ‬على الوالدين تجنب الوقوع في‮ ‬التمييز والعمل بأسس التربية وقراءة نفسية الأبناء كمحاولة لفهم واقعهم ومعرفة احتياجاتهم وردود أفعالهم،‮ ‬وهو ما‮ ‬يتطلب جهداً‮ ‬ودراية خاصة لترجمة المحبة إلى سلوكيات

عايدة البلوشي

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>